أحمد بن محمد القسطلاني

71

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أنس ) وللأصيلي : أنس بن مالك ( رضي الله عنه ، فصلّى لنا يومئذ صلاة من الصلوات وهو قاعد فصلينا وراءه قعودًا ، ثم قال ) عليه الصلاة والسلام ( لما سلم ) : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلّى قائمًا فصلوا قيامًا ) زاد في باب : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلّى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون ، وهو منسوخ بصلاتهم خلفه قيامًا وهو قاعد في مرض موته ( وإذا ركع فاركعوا ) وفي الرواية التالية لهذه : فإذا كبّر فكبّروا وإذا ركع فاركعوا . فالتكبير هنا مقدّر ، إذ الركوع يستدعي سبق التكبير بلا ريب ، فالمقدر كالملفوظ ، والأمر للوجوب . وتعينت تكبيرة الإحرام دون غيرها بقوله : وافتتاح الصلاة المفسر بمع الشروع فيها ، كما مر . وفي حديث أبي حميد : كان عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه ثم قال : الله أكبر . أخرجه ابن ماجة ، وصحّحه ابنا خزيمة وحبّان . وحينئذ فحصلت المطابقة بين الحديث والترجمة من حيث الجزء الأول منها ، وهو إيجاب التكبير . والجزء الثاني بطريق اللزوم ، لأن التكبير أول الصلاة لا يكون إلا عند الشروع فيها . ( وإذا رفع فارفعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده ) أي أجاب دعاء الحامدين ( فقولوا : ربنا ولك الحمد ) أي بعد قولكم : سمع الله لمن حمده ، فقد ثبت الجمع بيهما من فعله عليه الصلاة والسلام . وقد قال : صلوا كما رأيتموني أصلي ، فسمع الله لمن حمده للارتفاع ، وربنا ولك الحمد للاعتدال . وسقط لغير أبي ذر عن المستملي : وإذا سجد فاسجدوا . ورواة هذا الحديث حمصيان ومدنيان ، وفيه التحديث بالجمع ، والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة ، وهذا الحديث والتالي له حديث واحد عن الزهري عن ثابت ، لكنه من طريقين : شعيب والليث . فاختصر شعيب ، لكنه صرح الزهري فيها بإخبار أنس ، وأتمه الليث . 733 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : " خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ ، فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا ، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : إِنَّمَا الإِمَامُ - أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ . وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا » . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) ولغير أبوي الوقت وذر وابن عساكر : ابن سعيد ، ( قال : حدّثنا ليث ) بالمثلثة هو ابن سعد ، وللأربعة : الليث بلام التعريف ( عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن أنس بن مالك ) رضي الله عنه ، ( أنه قال : خرّ ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء ، أي سقط ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن فرس ، فجحش ) بتقديم الجيم على الحاء وآخره معجمة أي خدش ، وهو قشر جلد العضو ، وفي رواية : فجحش ساقه ( فصلّى لنا قاعدًا فصلينا معه ) وفي رواية : فصلينا وراءه ( قعودًا ، ثم انصرف ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي : فلما انصرف ( فقال ) : ( إنما الإمام - أو وإنما جعل الإمام - ليؤتم به ) يحتمل أن يكون جعل بمعنى : سمي فيتعدى إلى مفعولين : أحدهما الإمام القائم مقام الفاعل ، والثاني محذوف أي : إنما جعل الإمام إمامًا ويحتمل أن يكون بمعنى صار أي : إنما صير الإمام إمامًا ، ويحتمل أن يكون فاعله ضمير الله ، أي : جعل الله الإمام ، أو ضمير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . واللام في ليؤتم به لام كي ، والفعل منصوب بإضمار أن ، والشك في زيادة لفظ جعل من الراوي ( فإذا كبر فكبروا ) . الأمر للوجوب ، وهو موضع الترجمة ومراده الرد على القائل من السلف إنه يجوز الدخول في الصلاة بغير لفظ بل بالنية فقط ، وعلى القائل : إنه يجوز الدخول فيها بكل لفظ يدل على التعظيم ، كما مر عن أبي حنيفة ووجوبه على المأموم ظاهر من الحديث ، وأما الإمام فمسكوت عنه . ويمكن أن يقال : في السياق إشارة إلى الإيجاب لتعبير بإذا التي تختص بما يجزم بوقوعه ، والأمر شامل لكل التكبيرات . إلا أن الدليل من خارج أخرج غير تكبيرة الإحرام من الوجوب إلى السنية : كربنا ولك الحمد . واستدلّ به على أن أفعال المأموم تكون متأخرة عن أفعال الإمام ، فيكبر للإحرام بعد فراغ الإمام من التكبير ، ويركع بعد شروع الإمام في الركوع وقبل رفعه منه ، وكذا سائر الأفعال . فلو قارنه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته ، أو في غيرها كره . وفاتته فضيلة الجماعة . واستدلال ابن بطال وابن دقيق العيد بذلك ، بأنه رتب فعله على فعل الإمام ، بالفاء المقتضية للترتيب والتعقيب ، تعقبه الولي العراقي بأن الفاء المقتضية للتعقيب هي العاطفة ، أما الواقعة في جواب الشرط فإنما هي للربط . قال والظاهر أنها لا دلالة لها على التعقيب ، على أن في دلالتها على التعقيب